الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2008

الهروب الأول (3)

(اضغط هنا لقراءة الجزء الأول)
(اضغط هنا لقراءة الجزء الثاني)
صدمة وهلع ...

الحركة من خلفي كانت مريبة لدرجة أنها أربكتني وفضحت نظراتي المسترقة لإشباع فضولي بالنظر لمن يتبعني .. أو لربما باعتراف صريح أكثر وأكثر بوحا.. نظرة (خوف ) كانت عارية عن القوة والعنفوان الذاتيين الذان تمتعت بهما لما قبل هذه اللحظة .. فلقد كان مصدر الحركة التي تتبعني .. هو أخي الأكبر (ناصر) ..

أحسست بأن الدنيا بدأت تزرقّ .. وتتدرج سريعا داكنة إلى أن اسودّت بكاملها .. قلبي لم يشأ أن يبقى لمدة أطول وهو في موضعه الطبيعي .. فقد ارتعد هو الآخر وفر هاربا إلى حيث مستقره ومثواه عند أخمص قدميّ .. فالخوف والهلع (سيدان إن قربا مني أو فررت منهما)..

شعرت من شدة الخوف والارهاق النفسي بأن (الشيب) بدأ يدبّ بشكل سريع في كل شعر بدني .. وإني لأعترف إليكم أن هنالك (شعرتين في أنفي تحولتا إلى أبيض) . وشعر رأسي بدا أبيضا بتمامه وكماله كما لو كان (كليو شعر بنات من دكان حجي خليل العسكري رحمه الله)!!.

حينها اقتنعت تماما بما يصوره لنا (فقهاء علم الأفلام الكرتونية ) لكأن يشيب أحد الأشخاص الكرتونيين أو أن يصغر حجمه في لحظات الحرج أو الخوف !!.

بضع ثوانٍ ولربما بضع لحظات وأنا أختطف النظر إلى وجه أخي بذهول ! استرجعت شريطا كاملا من الذكريات (الأكشن) الأليمة التي مررت بها سابقا في موقف مشابه عندما كنت في الابتدائية ..

كنت آنذاك لازلت ناعما بأظافري .. وكنت في الصف الأول الابتدائي حين كان شقيقي (حسن) الذي يكبرني بـ 5 سنوات تقريبا والذي كان في الصف السادس الابتدائي .

فالتاريخ يعلم جيدا كيف اعتاد الجيل (الدينصوري) القديم الذي عاصرناه آنذاك ، على أن يتغيب معظم الطلاب (الأقوياء) من المدرسة بحجة أن هذا اليوم وفاة أحد الأئمة ، وكأن من يسمع تبريرهم يرى منهم الحضور المكثف في مآتم وحسينيات مناطقهم !. إلا أن أهلي لم يكن في قاموسهم هذا العذر مقبولا ولا مبررا على الإطلاق ، لذلك كان أخواي ناصر وحسن ينطلقان من قوة إيمانهم بالقاعدة: ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه )، فيضطران إلى التسرب من المدرسة في هذه الأيام التي من يهرب فيها ( فإنها من تقوى القلوب )..

ذات يوم كانت مناسبة وفاة أحد الأئمة ، وقد حان وقت العمل بقاعدة الاضطرار (اللازمة والواجبة) وجوبا عينيا كما هو منصوص عليه بتأكيد في روايات الطلاب العقائدية آنذاك، فقرر أخي (حسن) أن لا يحرمني جزء من هذه (الكرامات) وطلب مني أن أتغيب معه ..

وبالطبع فإن العقل المدبر لهذه العملية (الاستشهادية - البطولية ) هو أخي ناصر (كبيرهم) الذي علمهم (الشردة - والغدر) .. صاحب المناقب العظيمة والمقالب الجسيمة المنصور بالشلخ والمؤيد بالتطنز المسدد بالملل.. (وهو بعينه الشخص الذي يلحقني في هذه اللحظة وأنا متسرب من الاعدادية )..

وبالفعل تغيبنا أنا وأخي حسن . وكان أخونا ناصر ينتظرنا عند باب أحد المنازل المهجورة (بالقرب من حسينية بن خميس ) وقد أعد خطة (اللجوء السياسي والتمويل الغذائي والتغطية الأمنية ) لهذا اليوم العظيم !! وبالطبع فإن الخطط وضعت سلفا لهذا (المقلب الاجرامي) الذي جعل من جسدي الطاهر وجسد أخي المبارك محطتين دسمتين لاستراحة (الهوز البلاستيكي) جراء هذا المقلب!!



تفاصيل المقلب الأول في الحلقة القادمة ...

الأربعاء، 24 ديسمبر، 2008

الهروب الأول (2)



فلنتابع ..



(اضغط هنا لقراءة الجزء الأول)


كما قلت لكم أنني في يوم الأربعاء كنت أتلذذ بالتسلق على حائط مدرسة جدحفص الإعدادية والذي يطل مباشرة على ( تلة) جبلشة حبشي،
لحق بي الأستاذ المراقب وعرف وجهي وسمعته يناديني ويهدد باستدعاء ولي أمري يوم السبت ! إلا أن كرامتي و(شجاعتي) تأبى الانصات إلى تهديداته ..
قفزت سريعا ..
كنت أتعمد أن أدير ظهري طوال فترة سيري للوصول إلى ممر خلف المدرسة يحجب رؤية الآخرين لي وأنا (
هارب ) من المدرسة ..
تسللت إلى وسط قرية (جبلة حبشي) الواقعة غرب
جدحفص، وكانت من أهم أولوياتي هي شراء بعض البسكويتات والعصير من برادات الجبلة العظيمة !!
شيء واحد لم تستسيغه شهيتي، والذي يعتبره الكثير من المراهقين على أنه (عنوان القوة والرجولة القاهرة) .. أعني (
التدخين ) ..
فمنذ نعومة أظافري وأنا لا اجتمع ورائحة الدخان الناجم عن السيجارة في درب واحد ولا حتى الالتقاء على مفترق طريق ..
كانت الساعة آنذاك شارفت على الحادية عشر ضحى .. فقررت التوجه إلى المنزل لثقتي بعدم وجود أحد سوى والدتي التي تقضي نهارها في المطبخ (
وشرب القدو)..
قبل الثبات على هذه الفكرة خطر ببالي أن أدخل إلى منطقة جدحفص كنوع من (الاحتراز الأمني) خوفا من أن تراني (دورية الشرطة) وأنا أحمل دفاتري وكتبي فتعرف أنني متسرب من الدراسة ! فيرجعوني للمدرسة وأعاقب هناك ..
ومضيت نحو السبيل ...
قطعت نصف المسافة تقريبا متوجها إلى منزلي ..
كان الجو قاتلا من شدة الصيف (القيض) .. حيث دبّ العرق في كل زوايا جسدي الطاهر المبارك ، وحتى لساني لم يسلم من موجة العرق تلك!!

وهنا ..
أحسست بحركة مموهة خلفي ..
لم أدر وجهي لمعرفة مصدر هذه الحركة ..
إلا أن فضولي .. ولربما كان خوفي أكثر جعلني أتوقف وأنظر من هو مصدر هذا التحرك ..

فلقد كانت تساورني الشكوك بأن أحد المدرسين تبعني ويريد أن يمسكني بالجرم المشهود ..

إلا أنا الصدمة كانت أكبر من ذلك!!


تابعونا ...


الهروب الأول (1)


الهروب




 


لم أكن في الابتدائية كما صرت عليه حين انتقالي إلى الجزء الأخير من المرحلة الإعدادية..

فلكل فترة من عمرنا طيش وعنفوان ..

كنت في الابتدائية ولدا بريئا .. لا أعرف غير الانتظام ولا أفقه ولو قيد أنملة من علم المشاغبة ، ولا أسير مواليا على خطى (شلة المشاغبين) وأولي المراهقة المبكرة، وبالمختصر المفيد كنت (لا أهش ولا أنش)..

إلا أنني وفي المرحلة الاعدادية بدأت أتمرد على هذا الوضع الذي يعتبره الكثيرين وربما الفئة الأغلب من الصبيان على أنه وضع (خنوع) ولابد من التمرد و(البلطجة) من أجل إثبات الذات وإقناع من هم من حولنا بأنني قد بلغت مرحلة من العمر تتيح لي أن أكون قويا ومتحررا من قيود التبعية..

فكانت من أهم ما نقوم به لإثبات قوتنا ( حيوا اللي يغلب )!!

والأهم من الصراعات المفتعلة لعرض العضلات النحيلة .. كانت مسألة الهروب من الحصص تارة ، وتارة اخرى بشكل أكبر وهو الهروب من المدرسة ككل .. بشتى الوسائل .. سواء كان الهرب مبكرا ( أي أننا لا ندخل إلى فناء المدرسة منذ الصباح) ، أو بأننا ( كأبطال النينجا) نقفز على حائط المدرسة ونستمتع بملاحقة المدير أو مساعده لنا ونحن ( متشققين من الضحك) ..

وذات يوم (كعادتنا) وأذكر أنه كان يوم الأربعاء ..

فليوم الأربعاء في تاريخ الإعدادية سلاسل من (النضال والشموخ) .. والبطولات عند محاولاتنا (الناجحة دوما) للهرب من الحائط بعد فترة (الفسحة) ،

كيف لا يكون الأربعاء يوما بطوليا وهو آخر الأسبوع .. فيكفينا أننا نحضى بنصف يوم (إجازة) زيادة على زملائنا الطلاب الذين لا يكون لهم غير الخميس والجمعة !!

ومن هنا .. تبدأ القصة ...



تابعونا ..